السيد الطباطبائي

20

تفسير الميزان

وذلك إن الحمد توصيف ، وقد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال : ( سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين ) الصافات - 160 . والكلام مطلق غير مقيد ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين ، قال تعالى في خطابه لنوح عليه السلام فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ) المؤمنون - 28 . وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ) إبراهيم - 39 . وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بضعة مواضع من كلامه : ( وقل الحمد لله ) النمل - 93 . وقال تعالى حكاية عن داود وسليمان عليه السلام ( وقالا الحمد لله ) النمل - 15 . وإلا ما حكاه عن أهل الجنة وهم المطهرون من غل الصدور ولغو القول والتأثيم كقوله : ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) يونس - 10 . وأما غير هذه الموارد فهو تعالى وان حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم ، كقوله تعالى : ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ) الشورى - 5 . وقوله ( ويسبح الرعد بحمده ) الرعد - 13 . وقوله ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) الاسراء - 44 . إلا أنه سبحانه شفع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الأصل في الحكاية وجعل الحمد معه ، وذلك أن غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه التي منها جمال الافعال ، قال تعالى : ( ولا يحيطون به علما ) طه - 110 فما وصفوه به فقد أحاطوا به وصار محدودا بحدودهم مقدرا بقدر نيلهم منه ، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلا من بعد أن ينزهوه ويسبحوه عن ما حدوه وقدروه بافهامهم ، قال تعالى : ( ان الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) النحل - 74 ، وأما المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده ووصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له ، فقد بان ان الذي يقتضيه أدب العبودية ان يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه ولا يتعدى عنه ، كما في الحديث الذي رواه الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك الحديث ) فقوله في أول هذه السورة : الحمد لله ، تأديب بأدب عبودي ، ما كان للعبد